يقولون إن عيد الميلاد هو أروع وقت في السنة. نأخذ إجازة من العمل، ونجتمع مع الأصدقاء، وننغمس في الأكل والشرب والموسيقى والمرح. لفترة وجيزة، تأخذ الملذات التي نقوم بتقنينها خلال بقية العام مركز الصدارة.
ثم، في شهر يناير من كل عام، تمتلئ الصحف بالنصائح حول النظام الغذائي، والامتناع عن شرب المسكرات، والعودة إلى العمل. عندما يرحل الضيوف، وتنتهي الحفلة، وتختفي القرارات التي ستنتهي صلاحيتها قريباً، يمكن أن يلقي هذا الشهر البارد بظلاله على الأعياد، حيث أن شعورنا بالذنب الاستباقي يأكل استمتاعنا، فنقول لأنفسنا: "سوف نندم على هذه القطعة الإضافية من الفطيرة في العام الجديد". يبدو الأمر كما لو أن الملذات التي ننغمس فيها خلال عيد الميلاد لا يمكن أن تكون إلا ملذات مقترنة بالشعور بالذنب.
لطالما كانت احتفالات عيد الميلاد الصاخبة مثيرة للجدل. يأمر الكتاب المقدس المؤمنين مراراً وتكراراً برفض ملذات الجسد. اعتبر البيوريتانيون[2] عيد الميلاد مهرجاناً وثنياً آثماً، وحرصوا على العمل في يوم عيد الميلاد لإظهار تمسكهم بالفضيلة. خلال الفترة الاستعمارية في منطقة نيو إنجلاند، كانت احتفالات عيد الميلاد موضع استياء، وفي بعض الأحيان كان يتم حظرها، ولم يعتمد هذا اليوم عطلة فيدرالية إلا في عام 1870.
إتفق العديد من الفلاسفة مع الأخلاقيين الدينيين على عدم قيمة المتع الجسدية: الأكل والشرب والمرح. إعتقد أفلاطون أن الروح تكون "نجسة وغير نقية" إذا أحبت المتع الجسدية والأشياء "التي يمكن للمرء أن يلمسها ويراها ويشربها ويأكلها ويستخدمها في ملذات الحب". كان يُعتقد أن أولئك الذين ينغمسون في "الشراهة" و"السكْر" سوف يتجسدون من جديد في صورة حمير. نصح الرواقيون أتباعهم بقمع عواطفهم والتعامل مع المتع الحسية بلا مبالاة. رأى إيمانويل كانط أن إقامة الولائم والسكْر أمران غير أخلاقيين، ويحطان من قدر الإنسان إلى مستوى الحيوان، وحذر من قبول الدعوات إلى الولائم.
لكن لم يكن جميع الفلاسفة بهذا القدر من البؤس. ربما كان الفيلسوف الذي جسد روح عيد الميلاد على أفضل وجه هو الملحد ديفيد هيوم، الرجل الذي تمتع بمزاج مرح (ناهيك عن بدنه الممتلئ وولعه بالمعاطف الحمراء) مما يؤهله للقب بابا نويل الفلسفي. فمن وجهة نظره، أن تكون شخصاً جيداً يعني أن تمتلك صفات "مفيدة أو مقبولة" لنفسك وللآخرين. وعلى النقيض من أخلاقيات كانط الصارمة وعالم أفلاطون الأخروي، إعتقد هيوم أن أفضل نوع من الأشخاص هو أي شخص بشوش، ذكي، وممتع لمن حوله.
كان لدى هيوم كلمات حادة لمفسدي البهجة، حيث انتقد "الفضائل الرهبانية" المتمثلة في "التبتل، والصوم، والتكفير عن الذنوب، وكبح الشهوات، ونكران الذات، والتواضع، والصمت، والعزلة". من وجهة نظر هيوم، ينبغي اعتبار هذه الممارسات رذائل، لأنها لا تؤدي إلا إلى جعلنا والناس من حولنا بائسين. وليس من الغريب أن هيوم كان يستمتع بالطعام والشراب. كان يفتخر بطبخه وكان لديه قبو كبير للنبيذ. وكانت حفلات العشاء الخاصة به مشهورة. بالنسبة لهيوم، إن قضاء وقت ممتع هو نقيض الخطيئة؛ إنه جوهر الحياة البشرية. أظن أن هيوم كان سيرى "الفضائل الرهبانية" البغيضة مطبقة بشكل عملي في كرنفال يناير حيث العقاب الذاتي المقترن بالشعور بالذنب.
هذا لا يعني أن الفيلسوف المحب للحياة لا يجد أي فائدة في الصوم. عندما كتبت إيميلي دو شاتليه[3] "رسالة في السعادة" لم يكن هدفها مجرد توبيخ الأخلاقيين الذين يطلبون منا قمع عواطفنا ورغباتنا (هؤلاء المفكرون "لا يعرفون الطريق إلى السعادة")، ولكنها قدمت دليلاً حكيماً وعملياً لعيش حياة مليئة "بالأحاسيس والمشاعر المقبولة". تعترف دو شاتليه بأن "الاستمتاع بالطعام الجيد، المذاق الذي أنعم الله به علينا" يمكن أن يؤدي إلى الاضطراب والمرض. لكن الحل ليس في التوبة عن الذنب، التي تؤدي حتماً إلى زيادة بؤسنا. وإنما، عندما تشعر بالتخمة، يجب عليك التراجع، ليس من أجل "وضع حد لرغبتك في تناول الطعام الجيد" - ففي نهاية المطاف، "هذا الشغف هو مصدر للمتعة المستمرة" - ولكن "لتهيئتك لمتعة ألذ" لاحقاً. تدعو دو شاتليه إلى اتباع نهج مدروس وعقلاني في البحث عن المتعة: "دعونا نختر لأنفسنا طريقنا في الحياة، ودعونا نحاول أن نزين هذا الطريق بالزهور".
لعل هيوم ودو شاتليه يجدان رفيقاً جيداً للعشاء في جيريمي بنثام، المؤيد الكبير للنفعية والمدافع القوي عن مذهب اللذة، الذي كان يرى أن المتعة هي جوهر الحياة الطيبة. على عكس تلميذه جون ستيوارت ميل، الذي أصر على أن "المتع العليا" الفكرية أعلى بكثير من "المتع الدنيا" الجسدية، تبنى بنثام مذهب اللذة القائمة على تكافؤ الفرص: إذا كان كلاهما ممتعاً بالقدر ذاته، فإن لعبة الدبوس[4] ستكون جيدة تماماً مثل قراءة الشعر. لقد وقف معظم الفلاسفة إلى جانب ميل في هذه الجبهة، ولكن يمكننا أن نرى أن تأكيد بنثام على المتع البسيطة موقف لانخبوي بشكل مثير للانتعاش.
أظهر بنثام، في دفاتر ملاحظاته الخاصة، أن مذهب اللذة يمكن أن يكون أكثر تطرفاً. من الصخب الفاحش في العصور الوسطى إلى علاقات حفلات المكاتب في عصرنا الحالي، لطالما كان للجنس مكان وسط الانغماس في مواسم الاحتفالات. لقد اتخذ معظم علماء الأخلاق نظرة قاتمة للجنس العرضي، بحجة أن الجنس يجب أن يكون من أجل الإنجاب، أو على الأقل يستعاض عنه بالحب الروحي. كانت وجهة نظر بنثام أبسط: الجنس ممتع، وبالتالي فهو جيد. ولم ير، قبل عدة أجيال من أقرانه، أي سبب للاعتراض على الجنس المثلي. في الواقع، لأنه لا يمكن أن يؤدي إلى أطفال غير مرغوب فيهم، فقد اعتقد بنثام أنه قد يكون أفضل أنواع الجنس. كان بنثام سيطلب منا أن نستمتع بهذه العلاقة الاحتفالية الطائشة.
يمكن لفريدريك نيتشه، المتغطرس والنخبوي، أن يكون ضيفاً ثقيلاً على عشاء عيد الميلاد. لكنه ربما يكون لديه الوقت لليلة رأس السنة الجديدة. وعلى الرغم من أنه كان ينظر بازدراء إلى البحث المحض عن المتعة، إلا أنه رفض "إنكار الحياة" الذي رآه في أفلاطون كما رفض الزهد الديني، وأشاد بالجانب المتمرد للطبيعة البشرية. وباستدعاء الرقصات الجامحة والثملة لأتباع ديونيسوس، إله النبيذ اليوناني، عرّف الروح "الديونيسية" للتخلي الخارج عن القوانين بأنها مصدر للحياة والإبداع، وباعتبارها حيوية لخلق الفن. الثقافة التي تسمح لقوى العقل والنظام "الأبولونية" بالهيمنة ستصبح جافة وغير صحية.
ومع ذلك، فإن التخلي ليس بالأمر السهل دائماً. يمكن لثقافة إدمان العمل لدينا أن تجعل من الصعب الاستمتاع بفترات طويلة من الترفيه دون الشعور بالذنب. في مقالته الكلاسيكية "في مدح الكسل"[5]، زعم برتراند راسل أن الرأسماليين لقنوا المجتمع "عبادة الكفاءة" التي تمنح الأولوية "للفضيلة الأسمى المتمثلة في العمل الجاد". لكنه قال إن وقت الفراغ، وليس العمل، هو أعظم مصدر لمعنى الحياة. إنها عبادة العمل التي تجعلك تتحقق من هاتفك بحثاً عن رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بالعمل خلال العطلات؛ وحسب راسل، هذا شيء نحتاج إلى التخلص منه لإنشاء مجتمع سعيد.
تحذير آخر من رذائل الرأسمالية يمكن إرجاعه إلى المُنَظّر الأصلي لمذهب اللذة، الفيلسوف اليوناني أبيقور. رأى أبيقور أن المتعة هي الخير الأسمى، ولكن على الرغم من أن مصطلح "أبيقوري" أصبح يشير ضمناً إلى الانغماس المفرط في الملذات، إلا أن أبيقور في الواقع نصح بحياة معتدلة. كان يعتقد أن الطعام الرخيص والبسيط ممتع تماماً مثل الأطعمة الغالية. وعلى الرغم من أن النظام الغذائي الذي اختاره أبيقور المكون من الفاصوليا لا يبدو احتفالياً، إلا أنه كان لديه رسالة مفيدة لموسم العيد. كان يعتقد أن الرغبة في الطعام والصداقة أمر جيد وطبيعي. لكن الرغبة في السلع رفيعة المستوى والكماليات الفاخرة تقودنا إلى البؤس. وفي خضم وابل الإعلانات الموسمية، يجدر بنا أن نتذكر ذلك.
لذا، بينما نتطلع إلى موسم الاحتفال، دعونا نصغِ جيداً إلى هذه الأشباح الفلسفية المبهجة التي سكنت أعياد الميلاد الماضية. فلنأخذ رخصة للاستمتاع بالطعام والشراب والجنس والرقص والكسل، دون شعور بالذنب. وبدلاً من التذمر من أزمة سلاسل التوريد، ربما يمكننا، بإلهام من أبيقور، أن نغتنم هذه الفرصة لمنح محافظنا عطلة احتفالية صغيرة أيضاً.