ما بعد المنعطف اللغوي
في وقت ما، كان الفلاسفة التحليليون والقاريون متحدين في هوسهم باللغة. أما الآن، فقد ظهرت أسئلة جديدة.
Post-Linguistic Turn
كتابة: كريسبن سارتويل[1]
ترجمة: مشاري عبدالرحمن المشاري
16 مايو 2023

"لا يوجد شيء خارج النص". هذا ما كتبه جاك ديريدا في عام 1967. وكما هو الحال في معظم ما قاله ديريدا، يصبح تفسير هذه العبارة ذائعة الصيت أكثر صعوبة عندما نبحث سياقها وسياق سياقها. لكنها كانت تعبر بجدارة عن نكهة الفلسفة الأكاديمية في ذلك الوقت الذي ظهرت فيه، والذي كان أيضاً عام انتشار مصطلح "المنعطف اللغوي" على يد ريتشارد رورتي، حيث جسد هذا المصطلح حجة مفادها أن الفلسفة الأكثر أهمية في القرن العشرين هي الفلسفة اللغوية. قبل ذلك الوقت، كان الجميع باستثناء قِلة من الرجعيين متفقين على هذا التقييم. استمرت الفلسفة لعدة عقود بالتركيز البالغ على طبيعة اللغة (مقارنةً بطبيعة الواقع أو الخير أو الجمال على سبيل المثال). لقد كان هناك بعض الخلاف حول إمكانية وجود أي أسئلة فلسفية حقيقية غير تلك التي تدور حول اللغة.

وإذا نظرنا إلى الوراء من هنا، فإن التقارب في التعامل مع قضايا اللغة - بل التركيز المستمر شبه الحصري عليها باعتبارها جوهر تجربتنا، حتى من قِبَل مفكرين مختلفين إلى درجة أنهم لا يستطيعون أو لا يبالون بالدخول في حوار - يبدو أمراً لافتاً للنظر. فهو أحد الجوانب المميزة للتاريخ الفكري في القرن العشرين، وعدسة مفيدة يمكن من خلالها النظر إلى تطور الفلسفة في تلك الفترة.

في القرن العشرين، انقسمت الفلسفة الغربية إلى خطابين، لكل منهما قوانينه ومصطلحاته الخاصة، وعادة ما يشار إليهما بـ "التحليلي" و"القاري". وكان إتقان دراستهما في الوقت ذاته (على سبيل المثال، الحصول على فهم جيد لكل من مارتن هايدجر وبرتراند راسل، أو كل من ويلارد فان أورمان كواين وميشيل فوكو)، أمراً مَهيباً للغاية، ولم يكن هناك دافع إلى ذلك إلا عند قِلة من الناس. ومن المؤكد تقريباً، عندما ينضم المرء إلى المجتمع الفلسفي، فإنه ينضم إلى مجتمع يهتم بأحد القسمين دون الآخر. ومن المؤكد تقريباً، أياً كان الجانب الذي ينتمي إليه القسم، فإنه يكون مسيئاً للجانب الآخر. يرى التحليليون أن الفلسفة القارية ليست فلسفة على الإطلاق، بل هي ثرثرة نسبية لا معنى لها، شيء أقل بكثير من عدم القيمة. وفي المقابل وصف القاريون الفلسفة التحليلية بأنها منطق مفرط في الشكليات وعديم الفائدة وعلموية لا تخدم إلا ذاتها، دون إمكانية النقد الثقافي أو حتى الارتباط الجاد بالحياة البشرية كما نعيشها.

ولكن ليس من المستغرب أن تكون خطوط الخطابين أكثر تشابهاً مما تصوره الساخرون. فقد نشأت الفلسفتان التحليلية والقارية في وقت واحد تقريباً في الجامعات الغربية، إنطلاقاً من تاريخ فكري مشترك (العقلانيين، والتجريبيين، والمثاليين، وغيرهم). وكان التنافس بينهما على المستوى المهني بقدر ما كان على مستوى المفاهيم، وكان الصراع دائماً حول معرفة أي الجانبين يمكنه التخلص من أساتذة الجانب الآخر. ولكن على مدار القرن بأكمله، كانتا مندمجتين في الزايتجايست (روح العصر) ذاتها بأكثر من صورة. وكانتا تتشاركان الكثير من الهواجس بالإضافة إلى الكثير من العيوب، رغم أن مفرداتهما بقيت مختلفة تماماً حتى عام 1967.

كانت الفلسفتان التحليلية والقارية مهووستين باللغة، لدرجة أن اللغة استحوذت على اهتمامهما بالكامل تقريباً حتى نهاية القرن. وكانت الدوافع لدى الجانبين متشابهة إلى حد ما: اهتمت الفلسفة اللغوية بالتعامل مع ميتافيزيقيا القرن التاسع عشر التي كانت غامضة، وربما فارغة، وتأملية خالصة، كما في الأعمال العظيمة لأشخاص مثل جورج فيلهلم فريدريك هيجل، أو فريدريك شيلينج، أو آرثر شوبنهاور. وفي تحولهم عن المسار الكلي للتاريخ أو طبيعة الوجود الكلي ذاته، كان فلاسفة القرن العشرين يميلون إلى التركيز على معنى عبارات مثل "طبيعة الوجود الكلي ذاته". وعندما فعلوا ذلك، استنتج كثير منهم أن مثل هذه العبارات لا معنى لها، أو أنها يُساء استخدامها بشكل فظيع، وأن الفلسفة ستكون في وضع أفضل إذا حاولت توضيح طبيعة اللغة، وهو ما بدا مجدياً إلى حد بعيد.

كان المعطف اللغوي استجابة لأزمة مهنية وفكرية استمرت تقريباً من عام 1890 إلى 1910. فقد هيمنت شروحات المثالية الهيجلية والكانطية على الحقل الفلسفي لفترة طويلة من الزمن، وبدا أن هذه "الأنظمة الفكرية" أصبحت أكثر تعقيداً، وغير مفهومة وأقل قابلية للتطبيق في أي تخصص آخر، وخاصة في العلوم. وعند مقارنتها بالتطورات السريعة الملفتة للنظر في العديد من العلوم التجريبية في ذلك العصر، بدا أن الفلسفة عالقة في شرح أفكار قديمة مشكوك في أهميتها وحتى في قابليتها للفهم.

لنأخذ أولاً الفلسفة التحليلية. فقد كان التوجه الأساسي لها، كما أوضح راسل وجورج إدوارد مور في وقت مبكر من القرن العشرين، يتلخص في معالجة المشاكل الفلسفية وحلها من خلال تحليل اللغة التي صيغت بها، وهي الاستراتيجية التي شعر الرجلان أنها تبلورت في كتاب زميلهما لودفيج فيتجنشتاين "رسالة منطقية فلسفية" (1921). وكانت بداية نقطة التحول الأساسية هذه تتلخص في توضيح حدود اللغة بحيث تكون ذات معنى. فمثلاً، لم يحاول مور أن يشرح معنى الوجود، بل معنى كلمة "وجود"، التي رأى أنها لا تصلح لتكون خبراً في جملة ما. ولم يحاول أن يخبرنا ما هي الأشياء المحددة، بل ما تعنيه كلمة "محددة"، بأسلوب مفرط في الشكليات. وانتقل الحديث من طبيعة الذات إلى معنى كلمة "أنا".

وكما كان يأمل راسل ومور، فقد أدى هذا التركيز، والتقدم المصاحب في المنطق، إلى بث الحياة في هذا التخصص إلى حد كبير وتعزيز مكانته الأكاديمية، مما أدى إلى ظهور خطاب وأسلوب في التفكير والكتابة هيمن على الجامعات في بريطانيا والولايات المتحدة طيلة معظم القرن العشرين. ورغم أنه ربما انحدر في بعض الأحيان إلى فرع تقني صغير عديم الفائدة، فقد نجح التخصص المعاد تشكيله في تحديد الخبرات وتقييد المفكرين منهجياً لمنعهم من الانغماس في الخيال الصرف (إلى حد ما). قال الفيلسوف الوضعي ألفرد آير في عام 1936: "كل المشاكل الحقيقية قابلة للحل نظرياً على الأقل". لكنه رأى أن معظم المشاكل الفلسفية مشاكل زائفة يجب حلها من خلال الفحص الدقيق للغة التي صيغت بها. كان يعتقد أن قضية ميتافيزيقية زائفة مثل "المطلق يدخل في التطور والتقدم، ولكنه غير قادر على ذلك بنفسه" ليس لها أهمية بالمعنى الحرفي، حتى بالنسبة للشخص الذي نطق بها، لأنه من غير الممكن التحقق منها عن طريق الملاحظة أو التجربة.

قال آير إنه انتقى هذه الجملة، التي تتحدث عن المطلق، عشوائياً من كتابات أحد أشهر الفلاسفة البريطانيين التقليديين في أواخر القرن التاسع عشر، فرانسيس هربرت برادلي. وأكد أن كل الفلسفة السابقة هراء بالمعنى الحرفي، مثل جملة "كل الميمسي من البوروجوف"[2]، ولكنها أقل تسلية. وقال آير إن الفلسفة إذا أريدَ أن يكون لها أي موضوع محترم أو مفيد أو محدد بشكل جيد، فإن ذلك الموضوع سوف يكون في طبيعة ووظيفة اللغة، وليس طبيعة ووظيفة الواقع.

حوالي عام 1710 كتب عالم الميتافيزيقا التجريبية جورج بيركلي: "أن تكون يعني أن تكون قابلاً للإدراك". بالنسبة لبيركلي وكثيرين غيره (إيمانويل كانط على سبيل المثال)، فإن وجود الشيء أو كونه حقيقياً يعني أن يلعب هذا الشيء أدواراً معينة في الإدراك البشري أو أن يتوافق مع تصوراتنا الذهنية. في تكريم لهذا النمط من الميتافيزيقا ومحاكاة ساخرة له، قال كواين في عام 1939: "أن تكون يعني أن تكون قيمة متغير". لقد اعتبر كواين نفسه ساخراً من الخطابات الكبرى للميتافيزيقا. ولكن كان من الصعب عدم سماع هذا الكلام عن "المتغير المقيد" باعتباره نظرية وجودية تعتمد على اللغة: أن يكون الشيء يعني أن يتم اختياره من خلال كلمة "شيء" في جمل من قبيل "هناك شيء طويل وأخضر" (أو، في لغة المنطق، (∃x)(Fx&Gx)، حيث أن المكمم الوجودي يقيد المتغير "x").

وقد لخص نيلسون جودمان، زميل كواين في جامعة هارفارد، هذا النهج في كتابه "طرق صنع العالم" (1978) قائلاً:

إذا سألتك عن العالم، فبوسعك أن تعرض عليّ أن تخبرني كيف هو العالم في ظل إطار مرجعي واحد أو أكثر؛ ولكن إذا أصررتُ على أن تخبرني كيف هو العالم بمعزل عن كل الأطر المرجعية، فماذا بوسعك أن تقول؟ إننا محصورون في وصف كل ما يوصف. فكوننا يتألف، إذا جاز التعبير، من هذه الطرق وليس من عالم واحد.

يجادل جودمان وآخرون أن عدداً لا يحصى من المشاكل الفلسفية قد تم تصنيعها من خلال التمييز المزعوم بين العالم وطرق وصفنا له. لقد تصوروا أننا نستطيع أن نتدبر أمورنا مع تلك الطرق، أو أننا في الحقيقة لا نملك أي خيار ما لم نتمكن من ترك عقولنا. لخص رورتي التطورات التي حدثت في أوائل السبعينيات بقوله "لقد فقدنا العالم تماماً". والآن أصبح بوسعنا أن نتحدث عن الكلمات بدلاً من ذلك.

ومع تطور التحليل، تطورت الدوافع وراءه. ففي أعمال فيتجنشتاين المتأخرة، على سبيل المثال، أصبحت مركزية اللغة بالنسبة للتجربة الإنسانية والثقافة سمة واضحة، واكتسب مشروع تسليط الضوء عليها دافعاً أكثر جوهرية. ولم يعد الأمر يتعلق أساساً بتدمير فلسفة القرن التاسع عشر، بل بإظهار أسس الثقافة الإنسانية والتواصل.

في منتصف القرن العشرين، أعلن فيتجنشتاين في كتابه "تحقيقات فلسفية"، "أن تتخيل لغة يعني أن تتخيل شكلاً من أشكال الحياة"، وأن تحلل لغة يعني أن تحلل شكلاً من أشكال الحياة: شخصيةً ما وثقافةً ما. وبحلول الوقت الذي نُشر فيه كتاب رورتي "المنعطف اللغوي"، الذي جمع أول سردية بليغة لهذا التاريخ الفكري، كان من الواضح للجميع، سواء أحبوا ذلك أم لا، أن طبيعة اللغة والتحليل التفصيلي لكيفية عملها (كما في فلسفة "اللغة العادية" لجون لانجشو أوستن وآخرين، أو الميتافيزيقيا اللغوية لسول كريبكي وديفيد لويس) هي الساحة المركزية للفلسفة في القرن العشرين.

كتب رورتي في مقدمته:

الغرض من هذا المجلد هو توفير المواد اللازمة للتأمل في الثورة الفلسفية الأخيرة، ثورة الفلسفة اللغوية. وسأقصد بـ "الفلسفة اللغوية" الرأي القائل إن المشاكل الفلسفية هي مشاكل يمكن معالجتها (أو حلها) إما عن طريق إصلاح اللغة، أو عن طريق فهم المزيد عن اللغة التي نستخدمها حالياً. العديد من أنصار هذه الرؤية يعتبرونها الاكتشاف الفلسفي الأكثر أهمية في عصرنا، بل وفي حميع العصور.

وكما تطورت في أعمال دونالد ديفيدسون ورورتي نفسه، على سبيل المثال، تحركت أفكار كواين وفيتجنشتاين وآخرين باتجاه ما أصبح يُشار إليه بـ "ما بعد الحداثة"، والذي كان يتطور لبعض الوقت في أوروبا. لقد تصورت هذه الأفكار تجربتنا وعالمنا على أنهما مبنيان على أساس لغوي. ومن المسلم به أن العديد من الشخصيات قد قاومت هذه الصيغة، أو أياً من هذه التسميات. ولكن كما أظهر رورتي وريتشارد بيرنشتاين وتشارلز تايلور، على سبيل المثال، فإن التقاليد التحليلية والقارية، مع القليل من الوعي المتبادل، بدأت بحلول عام 1985 تتوافق في بعض استنتاجاتها.

لننتقل الآن إلى الجانب القاري. رغم أن هايدجر أبدى عداءً شديداً تجاه "الميتافيزيقا"، إلا أنه كان يرى أن "الأشياء تنشأ أولاً وتوجد في اللغة". وهذا هو تعريفه للإنسان:

الإنسان يظهر نفسه على أنه الكيان الذي يتكلم. لكن هذا لا يدل على أن إمكانية النطق بالصوت هي ميزة خاصة به، بل على أنه الكيان الذي من شأنه أن يكتشف العالم ونفسه.

هذه الجملة ليست من النوع الذي قد يقوله كواين، وليست من الجمل التي قد يعتبرها آير ذات مغزى. ولكنها تعزز مركزية اللغة بشكل لا يقل قوة عما فعله الاثنان. وبقدر ما كان لنهج كل منهما من تأثير، فإن نهج هايدجر في فلسفة اللغة أطلق خطاباً امتد لعقود من الزمن.

طور هايدجر هذه الأفكار بشكل متقن في كتاباته المتأخرة، مثل كتاب "الطريق إلى اللغة" (1959). أحد التفسيرات التي تناولت هذه الأفكار اعتبر أن اللغة هي الخط الأساسي للتجربة الإنسانية والواقع. ولعل هذا ما عبر عنه بوضوح بالغ تلميذ هايدجر في الفلسفة "التأويلية" ـ وبطل رورتي ـ هانز جورج غادامير. فقد كانت كلمة "تأويل" تشير في الأصل إلى علم تفسير النصوص، وخاصة الكتاب المقدس، وكانت الفلسفة القارية في أواخر القرن العشرين توحي بأنها لابد أن تكون خليفة الفلسفة.

كتب غادامير في عام 1976: "اللغة هي أسلوب العمل الأساسي لوجودنا في العالم والنظام الذي يحتضن كل شيء في العالم". وأضاف:

في كل ما لدينا من معرفة بأنفسنا وفي كل ما لدينا من معرفة بالعالم، نجد أنفسنا محاطين دائماً باللغة التي تخصنا. نكبر ونتعرف على الناس عندما نتعلم الكلام، وفي التحليل الأخير نتعرف على أنفسنا... في الحقيقة، نكون دائماً في موطننا عندما نكون في اللغة.

الآن، مرة أخرى، هذا لا يمثل المزاج أو النبرة أو العقيدة التي يتبناها أي فيلسوف تحليلي. ولكنه قد يحفز على التأسي به من خلال إلقاء نظرة مكثفة ومفصلة على كيفية عمل اللغة.

في الواقع، إن "تفكيك" اللغة عند ديريدا وأمثاله يتبع بدقة، من نواح عديدة، هايدجر وغادامير، في حين أنه كذلك ينسف ادعاءاتهما بخبث. نعم، يقول ديريدا، نحن مخلوقات لغوية من الألف إلى الياء. فاللغة تمنحنا واقعنا بشكل ما، أو هي واقعنا. وهي وسيلة وصولنا إلى الكون وأنفسنا، أو الطريقة التي نبنيهما أو نكشف عنهما بها. التفسير الأدبي يشبه، بشكل كبير، التجربة الإنسانية ككل، فكلاهما عبارة عن أنشطة تفسيرية تتم بواسطة العلامات.

ولكن هناك مشاكل مرعبة تظهر في الأفق، كما يشير ديريدا. فإذا فكرنا في تجربة العالم على أنها تشبه فعل القراءة، كما هو الحال في علم التأويل، فلابد من الاعتراف بأن فعل القراءة ينتج الوهم بنفس الوتيرة التي ينتج بها الحقيقة. ولابد من الاعتراف بأن كل نص نستطيع فهمه معرض ليكون محفوفاً بالغموض أو حتى التناقضات. لقد لعب الكثير من أدبيات القرن العشرين على الغموض والسريالية والالتباس: فإذا كان العالم ونحن نصوصاً أدبية، فربما نكون أقرب إلى الشعر الحديث من الدراما الكلاسيكية، أو أقرب إلى رواية لجيمس جويس[3] من رواية لجين أوستن[4]. ربما نكون محاصرين في موقف لا نستطيع الخروج منه أو حتى الابتعاد عنه بما يكفي لنتمكن من رؤيته.

بدأت لحظة "ما بعد الحداثة"، وخاصة النسخة الفرنسية منها المتمثلة في شخصيات مثل فوكو وجيل دولوز، في التركيز على الطرق التي ينهار بها دائماً البناء اللغوي للواقع، وهو بنية لا أساس لها. زعم جان ليوتار أن جميع السرديات الرئيسية التي أضفت شرعية على الواقع قد انهارت بالفعل، وأن العصر لم يتمكن من صنع لغة متماسكة لنفسه. وزعم جان بودريار أنه حتى عام 1980 لم يكن للتمييز بين المظهر والواقع إلا صدى خيالي أو أيديولوجي، وأننا كنا نعيش في عالم من العلامات التي لا تعني شيئاً، مثل عالم ديزني الذي يضم كل "الواقع". ومع اقتراب القرن من نهايته، استكشف آخرون أساليب أكثر إيجابية لما بعد الحداثة.

أحد هذه الأساليب كان التركيز على مفهوم السرد أو القصة كما فعل عدد من الشخصيات، مثل بول ريكور وألاسدير ماكنتاير. ركزت نظرية السرد في علم النفس والتاريخ والأخلاق - من بين تطبيقات أخرى - على أسلوب لغوي واحد، وهو سرد القصص، باعتباره محورياً لبناء الشخصية والثقافة والواقع، ومحورياً أيضاً لنظرية القيمة. كتب ريكور في المجلد الثالث من كتابه المميز "الزمان والسرد" (1984): "الحياة ذاتها قماش منسوج من القصص التي تُروى". حظيت هذه النظرية بشعبية واسعة لدرجة أن شركة نايكي ركبت الموجة وأطلقت شعارها "نحن القصص التي نرويها".

"إن الزمانية... تتطلب وساطة الخطاب غير المباشر للسردية... ولا يمكن أن يكون هناك تفكير في الزمن دون أن يسرد الزمن"، هذا ما أكده ريكور، واستخدم هذا المفهوم أيضاً لشرح الهوية الشخصية. وأضاف قائلاً: "ما الذي يبرر اعتبار فاعل الفعل، الذي يُشار إليه باسمه الصحيح، هو نفسه طوال الحياة التي تمتد من الولادة إلى الموت؟ يجب أن تكون الإجابة سردية". بالنسبة للعديد من الشخصيات في أواخر القرن العشرين، وفرت السرديات أساساً لعلم النفس والأخلاق والميتافيزيقيا. لقد شرحت كلا الأمرين في آنٍ واحد: طبيعة الهوية البشرية وطبيعة العالم الذي نعيش فيه معاً، تماماً كما فعل "الله" أو "الطبيعة" بالنسبة للمفكرين السابقين.

هذا النوع من نظرية السرد هو إحدى نُسخ ما أصبح يُعرف في أواخر القرن العشرين في أعمال فلاسفة مؤثرين مثل رورتي وتايلور بالبنائية اللغوية أو الاجتماعية: صورة لعالم تم صنعه إلى حد كبير من خلال الكلمات. وكان لها دلالات سياسية متفائلة أو خيرة: فالعالم الذي بنيناه يمكننا إعادة بنائه. يمكننا أن نصنع عالماً اجتماعياً أفضل من خلال التركيز على لغاتنا وكشف خفاياها وانتقادها وإصلاحها. كتب تايلور في كتابه المهم "منابع الذات" (1989): "دراسة الأشخاص هي دراسة الكائنات التي لا توجد إلا في لغة معينة، أو تتكون جزئياً منها. لا سبيل لامتلاك شخصية إلا من خلال البدء بتعلم لغة".

في رورتي وتايلور، وبرنشتاين وماكنتاير، أصبحت القواسم المشتركة بين الفلسفتين التحليلية والقارية، والمزاج ما بعد الحداثي الممتد عبر المحيط، أكثر وضوحاً. هذا إن لم يكن تحديداً في اجتماعات الجمعية الفلسفية الأميركية، حيث تقاربت الفلسفتان التحليلية والقارية. كان بوسع الجانبين أن يتجادلا حول نعوم تشومسكي، على سبيل المثال، أو حول التطورات في نظرية الأفعال اللغوية. وحتى لو كان هناك عدد قليل من العاملين عبر الحدود مباشرة، فقد بدا الجدار أشبه بسياج. كان بوسعك أن ترى من خلاله هنا أو هناك، وتتخيل نفسك تتسلقه.

ولكن على نفس المنوال، أصبحت الأسئلة التي أثارتها هاتان الفلسفتان والصراعات التي تصدتا لها تبدو أقل إلحاحاً. وبدأ الابتعاد عن المنعطف اللغوي. لعل الأسئلة التي بدت ملحة في أوائل القرن العشرين قد تم الرد عليها أو التخلي عنها، إلى أبعد مدى ممكن، بحلول نهاية القرن. ولست متأكداً إلى أي درجة من العمق أو التطور يمكن أن تصل إليه المعالجة الفلسفية للغة مقارنة بما وصلت إليه في السبعينيات على جانبي المحيط. لعل الفلسفة اللغوية ونظرية السرد تعرضتا للتنقيح المبالغ فيه بحلول عام 1999 كما حصل للمثالية الألمانية في عام 1899، وربما أصبحت أهميتها موضع شك.

في الألفية الجديدة، وكمثال على تحول الاهتمامات، أصبحت القضايا البيئية محورية بشكل جعل البنائية اللغوية تبدو غير ذات صلة أو ببساطة بدت كأنها تشير إلى زيفها. وعلى الرغم من أن الخطاب يلعب العديد من الأدوار في المساعدة على خلق انبعاثات الكربون، على سبيل المثال، فإن التفاعلات المادية بين الأجزاء الصغيرة، سواء كانت معروفة أو مجهولة لأي شخص، وتم سردها أم لا، هي قلب المشكلة. الفلسفات التي تبدو وكأنها تقوض حقيقة العالم الطبيعي، أو تجعله أداة طيعة بيد الإنسان، أصبحت تشكل دماراً محتملاُ. والواقع أن هوس العلماء بالتفسير اللغوي، وفكرتهم بأننا جميعاً نختبر العالم دائماً كما لو كنا نقرأ كتاباً، بدت في مرحلة معينة وكأنها مسألة امتياز، فضلاً عن كونها غير معقولة أساساً.

ولكننا لم نعد كوكباً غارقاً في الصحف الورقية، بل أصبحنا عالماُ من الصور والهجينات بين الصور والنصوص من النوع الذي لم يتناوله كتاب "رسالة منطقية فلسفية". ويبدو أننا الآن مهتمون بفكرة أننا قد نعيش في واقع افتراضي أكثر من اهتمامنا بفكرة أننا قد نعيش في نص مكتوب. على كل حال، فإن ظهور أنواع جديدة من الأسئلة يتطلب تأملات جديدة، ولكنه يجعل من الممكن أيضاً صنع تواريخ جديدة. وكما لاحظ هيجل، لا يمكنك حقاً أن تروي قصة شيء ما حتى تهدأ أحداث القصة.

Likes
2
Views
224
[1] كريسبن سارتويل أستاذ فلسفة متقاعد. آخر كتبه: ”Beauty: A Quick Immersion“.
[2] ”كل الميمسي من البوروجوف“ جملة تعبر عن الهراء أو الكلام الفارغ الذي لا معنى له. وردت في أحد أبيات قصيدة ”الجبردق“ للكاتب وعالم الرياضيات الإنجليزي تشارلز لوتويدج دودسن (1832-1898) المعروف باسمه المستعار لويس كارول، وأشهر أعماله كتاب ”أليس في بلاد العجائب“.
[3] جيمس جويس (1882-1941) روائي وشاعر وناقد أدبي أيرلندي.
[4] جين أوستن (1775-1817) روائية إنجليزية.
Source: The post-linguistic turn
By Crispin Sartwell